"وكان من أجلاد الرجال وألباء القضاة، ذا ذكاء وفطنة، وعزيمة ماضية، وبلاغة وهيبة".... "وكانت عالمة فقيهة حجة، كثيرة العلم"، أوصاف تواترت في كتب السابقين، ونعوت تقدح في ذهن كل ذكي وذي عزم حب المنافسة والمسابقة لنيل الشرف، فالإنسان متى ما تحلى ببعض الهمة، طاوعته نفسه به إلى المعالي.
ولا تكاد عين المتصفح لكتب التراجم -التي بالمناسبة، على الطالب المجتهد أن يكون له منها ورد- أن تخطئ توارد هاته الصفات عند التعليق على حيوات العقول المسلمة، فأنت إن أمسكت سير أعلام النبلاء -درة التراجم الإسلامية- وذهبت تقرأ فيه ففتحته في المنتصف، وجدت مثلًا في ابن عقيل: "وكان يتوقد ذكاء، وكان بحر معارف، وكنز فضائل، ولم يكن له في زمانه نظير"، ثم إن عدت أدراجك متسائلًا عمن سبقه لقيت في الطبري : "الإمام العلم المجتهد، عالم العصر، صاحب التصانيف البديعة، كان من أفراد الدهر علمًا وذكاء، وكثرة تصانيف، قلّ أن ترى العيون مثله".
ثم تعيد التقدم فيه، فإذا بك تجد "الغزالي أبو حامد محمد بن محمد، الشيخ الإمام البحر، حجة الإسلام، أعجوبة الزمان، صاحب التصانيف والذكاء المفرط" ، في أحوال تدع القارئ فيها متعجبًا مجلًا لمن سبقوه، ومتحمسًا ليحذو حذوهم.
وربما وجد الإنسان في نفسه أن هؤلاء كلهم مشهورون معروفون مسبقًا، ليس بينهم المغمور الذي لم يفتح له في ذيوع الصيت، فإذا بالكتاب بين يديه يجيبه قائلًا : "وكان في العلم بحرًا لا تكدره الدلاء، وله لسن وبلاغة وبصر بالحديث ورجاله، وعربية متقنة وباع مديد في الفقه لا يجارى فيه مع التأله والعبادة والنوافل وبعد الصيت والعظمة في النفوس " فتتساءل: يا ترى من هذا العلم؟ إنه أبو بكر ابن الحداد الشافعي، ثم يتبعك ب "الرحبي رضي الدين يوسف بن حيدرة، البارع إمام الطب الحكيم، كان رئيسًا عالي الهمة كثير التحقيق، تصدر للإفادة وخرج منه عدة أطباء كبار" ، فهذا قد أفاد وأشاد في الطب، فلم يقتصر الأمر إذن على علماء الشريعة…ثم يختم ما عنده ب "فاطمة بنت زعبل، الشيخة العالمة، المقرئة الصالحة المعمرة، مسندة نيسابور، أم الخير"، فتغلق الكتاب وقد أيقنت أن هاته ظاهرة أكثر منها حالة فردية.
كل هذا تستطيع جمعه بسهولة في ورقة، خاصة أن هاته الأوصاف لم تقتصر على أفراد محددين، مما يدفع اللماح إلى التفكير أنه قد يكون للأمر علاقة ب"العقل الإسلامي" بشكل عام -أي النسق الفكري أو المناخ المعرفي السائد في الأوساط الإسلامية-.
لكن ما الذي جعله متميزًا؟
الإجابة عن هذا السؤال لن تكون شافية كافية في بضع كلمات بطبيعة الحال، لكن كما ورد في منثور الحكمة: ما لا يدرك كله لا يترك جله، فدونك هاته الصفات التي يدور عليها المترجمون، بل والتي تحددها هاته العقول الباهرة نفسها إن سألت "بماذا أدركت ما أدركت؟ "وهنا نذكرها على الإجمال:
1- التشبع من العلم الشرعي وأدواته: من علوم اللغة والأصول وغيرها وإن لم تكن متخصصًا في علوم الشريعة، فهي التي تصنع عقلك، وليس التصنيع الأصلي كالمستورد المقابل على نسخة أجنبية كما تعلم.
2- الترفع عن السفاسف والتوافه وما يشغل الوقت دون طائل، واعلم:
أنهم قد رشحوك لأمر لو فطنت له فاربأ بنفسك أن ترعى مع الهمل
3- إنما الدين والفضل للأزكياء وللأذكياء معاً، فاجمعهما رحمك الله، واحرص على التقوى وأعمال القلب، مقتديًا بالإمام الشافعي رحمه الله إذ قال "نعم وكرامة" لوصية أستاذه الإمام مالك رحمه الله: "يا محمد، اتق الله واجتنب المعاصي، فإنه سيكون لك شأن من الشأن.
- العِلمُ كَنزٌ وَذُخرٌ لا نَفادَ لَهُ
نِعمَ القَرينُ إِذا ما صاحَبَ صُحبا
قَد يَجمَعُ المَرءُ مالاً ثُمَّ يُسلَبُهُ
عَمّا قَليلٍ فَيَلقى الذُلَّ وَالحَرَبا
وَجامِعُ العِلمِ مَغبوطٌ بِهِ أَبَدًا
وَلا يُحاذِر مِنهُ الفَوتَ وَالسَلبا
يا جامِعَ العِلمِ نِعمَ الذخرُ تَجمَعُهُ
لا تَعدِلَنَّ بِهِ دُرًّا وَلا ذَهَبا
[email protected]