نعم، هو الصّمت لغة لا يفهمها الا ّالعقول الواعية والرّاقية، وهذا النّوع من اللّغة الفريدة ليست فقدان للصّوت، بل امتلاء بالمعنى وموجات صوتيّة تُسمع وتردّدات داخليّة، وحوار الرّوح مع نفسها تأمل وغموض عميق.
إن العقل الناضج لا يخشى الصمت بل يلجا اليه حين يدرك أن بعض المواقف لا تحتاج إلى جواب فوري وأن بعض الكلمات قد تفقد من وزنها حين تقال في غير موضعها لذلك يصبح الصمت أحيانا موقفا وحكمة
ان اصحاب العقول السّطحية المُتسرعة في الأحكام، تكتفي بظواهر الأمور وقشورها دون فهم الحقيقة والمضمون، لا يسمعون العدم، بل الوجود في حالة سكونه المُطلق لأن فهم الصّمت يحتاج الى مهارات، قدرات وطاقات لفهم القراءة بين الكلمات والعبارات والعقل السطحي يرى في لغة الصّمت فراغًا يملأه بالكلام او ينظر إليه بمنظار سلبيّ فيتهرب منه بلا رجعة.
إنّ العقل الرّاقي والمتّزن يرى الصّمت لغة، فهو يفهم صمت الغير كرسالة تقدير واحترام، او ألم وربّما اعتراض أبلغ من كلّ الكلمات
كما انّه يفهم صمته هو كالمرآة قد تعكس حقيقة أفكاره، والصّمت الواعي قمة هيمنة العقل المدرك الذي يدرك انّ الكلام وسيلة، بينما الصّمت غاية فهو يختارها حين يكون الكلام عبثًا والإصغاء أعمق من الرّد ففي لحظات ومحطات الصّمت التام بإمكان العقل الواعي أن يسمع.
صوت النّظام الكوني، وصوت الواقع والحقيقة، ونبضات خفقان القلب الذي قد يغيب خلف ضجيج الحياة،
وفي نهاية المطاف ليس الصمت فراغا كما يعتقد البعض ولا هو عجز عن التعبير بل يكون ابلغ اشكال الحضور فالصمت الراقي والنابع من الادراك يمنح صاحبه فرصة لأن يسمع ما لا تقوله الكلمات وأن يرى ما تخفيه الضوضاء ويراجع أفكاره بعيدا عن الارتباك والانفعال
وعليه باعتقادي، هذه اللغة في معظم الأحيان، تكون أعلى درجات الحضور والرّقي التي لا يتقنها الاّ من روّض عقله على الغوص طويلاً وعميقًا.
[email protected]