تُعدّ الوساطة من أهم الأدوات الحضارية لإدارة النزاعات وتسويتها، فهي لا تقتصر على معالجة الخلافات الظاهرة بين الأطراف، بل تسعى إلى فهم الجذور العميقة للصراع، والتي غالبًا ما ترتبط باختلاف التصورات والقيم والثقافات والخبرات الحياتية.
وخلال عملي في مجال الوساطة المجتمعية والتربوية، أدركت أن كثيرًا من النزاعات لا تنشأ بسبب سوء النية، وإنما بسبب اختلاف طريقة فهم الواقع وتفسير الأحداث. فلكل إنسان منظومة فكرية وثقافية تشكل نظرته إلى العالم، وتؤثر في أحكامه ومواقفه وسلوكياته. ومن هنا تأتي أهمية فهم التصورات المختلفة لدى أطراف النزاع.
تشير الأدبيات المهنية في مجال إدارة النزاعات إلى أن الإنسان يميل بطبيعته إلى الاعتقاد بأن رؤيته للأمور هي الأقرب إلى الحقيقة، غير أن التجربة الإنسانية تثبت أن الواقع الواحد يمكن أن يُرى من زوايا متعددة. فما يراه شخص احترامًا قد يفسره آخر على أنه تجاهل، وما يعتبره طرف حقًا طبيعيًا قد يراه الطرف الآخر تجاوزًا لحدوده. لذلك فإن الوسيط الناجح لا يبحث عن المخطئ والمصيب بقدر ما يبحث عن فهم الكيفية التي يرى بها كل طرف الموقف القائم.
إن معرفة الوسيط بثقافة أطراف النزاع تمكّنه من قراءة الرسائل الظاهرة والخفية، وفهم الخلفيات الاجتماعية والعائلية والقيمية التي تقف وراء المواقف المختلفة. فالثقافة تؤثر في أسلوب التواصل، وفي طريقة التعبير عن الغضب أو الاحترام، وفي مفهوم العدالة والكرامة والمكانة الاجتماعية. وكلما ازداد وعي الوسيط بهذه الجوانب، أصبح أكثر قدرة على بناء الثقة وتقريب وجهات النظر.
ولا يعني فهم ثقافة الآخر التخلي عن القناعات الشخصية أو تبرير السلوكيات السلبية، بل يعني احترام حق الإنسان في أن يرى الأمور من منظوره الخاص. فالوسيط المحترف يدرك أن الاختلاف في الرأي أو الثقافة ليس تهديدًا، بل فرصة للتعلم وبناء جسور التفاهم.
إن الانتقال من منطق “أنا على حق” إلى منطق “قد تكون لدى الآخر رؤية مختلفة تستحق الفهم” يمثل خطوة جوهرية في طريق التسوية السلمية للنزاعات. وعندما ينجح الوسيط في مساعدة الأطراف على رؤية الصورة من زوايا متعددة، فإنه يفتح الباب أمام حلول أكثر عدالة واستدامة، ويعزز ثقافة الحوار والاحترام المتبادل.
وفي عالم تتزايد فيه التحديات الاجتماعية والثقافية، تبقى الوساطة مدرسة للتفاهم الإنساني، ويبقى فهم ثقافة أطراف الصراع أحد أهم المفاتيح التي تمكن الوسيط من أداء رسالته النبيلة في نشر السلم الأهلي وتعزيز التماسك المجتمعي.
فالوسيط لا يُقاس نجاحه بقدرته على فرض الحلول، وإنما بقدرته على فهم الناس، واحترام اختلافاتهم، ومساعدتهم على اكتشاف المساحات المشتركة التي تجمعهم رغم تعدد رؤاهم وثقافاتهم.
[email protected]