في الحياة صراعاتٌ لا تنتهي، ورحلةٌ طويلة شاقّة تبدأ بصرخةِ مدويةٍ، وقد وتنتهي بصمتِ الرّحيل.
وبين البداية والنّهاية، تتفتحُ فصول من الدّروس والتّجارب، يسطُرها الإنسان بلوحة من الأمل والدّموع، والنّجاحات والعثرات.
في صغرنا، كنّا نُبحر في عالم بريء، حيث الأحلام والضّحكات العفويّة والأيام لا تعرف ثقلًا،
نمضي بخطى صغيرة واثقة، نكتشف كلّ شيء بدهشة وعينين واسعتين، ثم نكبر ونجد أنفسنا
بلا عنوانٍ وطريق مسدود. نحتار لكنّنا نختار ونخطئ وقد نتعلّم من أخطائنا، ثم يأتي فصل الشّباب، فصل المراهقة والمراهنة والطّموح، نركض بسرعة جنونيّة خلف أحلامنا، نحمل آمالا عريضة، نطمح أن نغيّر لكنّنا نتغير، نواجه أولى خيباتنا نكتشف أنّ النّجاح بحاجة للمثابرة والتضحية والاستمرارية. والحياة لا تعطي دون مقابل، فصَدق من قال لا توجد وجبات مجّانية.
ثمّ يطلّ علينا فصل الكهولة، حيث تتباطأ الخُطى، وتصبح الذّكريات أعزّ ما نملك، نروي حكاياتنا وهمومنا لمن نحب لكنّ البصيرة تتّسع، ندرك أنّ السّعادة الحقيقيّة لا تقُاس بالكم، بل بالكيف، وأنّ الإنجاز ليس بالضّرورة ماديّا، وأنّ بعض الأحلام التي لم تتحقّق علّمتنا أكثر ممّا لو تحققت ونتمنى لو أنّ الزّمن يعود رغم علمنا اليقين أنّ لكلّ بداية نهاية.
رحلة هذه الحياة الشّائكة ومعادلاتها المركبة ليست سهلة، لكنها جديرة بأن تُعاش بكلّ ما فيها من
أفراح وأحزان، فهي التي تمنح لوجودنا معنى ولقلوبنا نبضًا ولأرواحنا وعيًا ونضجا، فلنمشِ في هذه الحياة بثقة ونتقبل كلّ ما تأتي به من مفاجئات، لنزرع غريزة التّسامح والعطاء في دروب الآخرين، ونضيء قلوب الأمل وتحقيق العدل مهما اشتد الظلام! أمّا قطار الحياة اللّعين والغدار لا يتوقف، ينطلق بنا منذ اللحظة الأولى لميلادنا، نركبه دون أن نعلم إلى أين يسير ولا متى يتوقف، محطّاته متعدّدة وأحداثه متقلبة وركابه يتبدّلون.
نصعد بلهفة في العربة رقم واحد مُحاطين بحنان الوالدين والأهل، لا نعرف سوى البكاء والضّحك، ثمّ تمرّ السّنوات وننتقل إلى عربات أخرى نتعلم، نكوِّن أصدقاء ونبدأ في رسم معالم حياتنا وأحلامنا.
تمرُّ بنا محطّات الفرح ونلوّح من النوافذ بقلوب مفعمة بالأمل، وفي أحيانٍ أخرى تتوقّف بنا
الحياة عند محطات الآلام والمعاناة، فننزَوي بصمت خلف زجاج الأيام لكنّ القطار لا يتوقّف
مهما كانت الدّموع سخيّة وصادقة، وفي كلّ محطة يترجل البعض ويركب آخرون، نودع
ونستقبل، نحزن ونفرح، بعض الوجوه ترافقنا طويلاً، وأخرى لا نكاد نراها حتّى تختفي، ومع
مرور الوقت ندرك أنّ الأهم ليس الوصول إلى المحطّة الأخيرة، بل كيف عشنا الرّحلة، من
رافقنا وما الذي تركناه من أثر في القلوب والذّاكرة؟
قطار الحياة الغدّار أحيانًا يعلّمنا أنّ كل لحظة ثمينة، وأنّ التّغير جزء من المسير، فلنكن متسامحين مع من يشاركوننا الرّحلة ونجعل من كلّ محطّة ذكرى عطرة، فكلّ ما نحتاجه أن نكون متفائلين ومؤمنين، نستمرّ دون أن ننظر إلى الخلف.
أنهي بهذه المقولة:
نحن لا نرى أقدارنا إلاّ على وجه الماء
لذا لا بدّ لنا أن نبتسم قبل ان نفكّر في رمي حجر..
[email protected]